غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
121
تاريخ مختصر الدول
عن أخيه ولم يهنه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع إليه . فخافه أبو جعفر المنصور واجمع الرأي وعمل المكايد وهجر النوم إلى أن اقتنصه . وكان أبو مسلم استشار رجلا من أصحابه بالريّ في رجوعه إلى المنصور فقال : لا أرى ان تأتيه وارى ان تمتدّ إلى خراسان . فلما لم يقبل منه وسار نحو المنصور قيل له : تركت الرأي بالريّ فذهب مثلا . فلما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه وإكرامه غاية الكرامة . ثم قدم فدخل على المنصور وقبل يده . فأمره أن ينصرف ويروّح نفسه ليلته ويدخل الحمّام . فانصرف . فلما كان من الغد أعد المنصور من أصحاب الحرس أربعة نفر واكمنهم خلف الرواق وقال لهم : إذا انا صفّقت بيديّ فشأنكم . وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه ودخل على المنصور فأقبل عليه يعاتبه ويذكر عثراته . فما عدّ عليه ان قال : ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك . ودخلت إلينا وقلت : اين ابن الحارثيّة . ويأتيك كتابي فتقرأه استهزاء ثم تلقيه إلى مالك ابن الهيثم ويقرأه وتضحكان . فجعل أبو مسلم يعتذر إليه ويقبّل الأرض بين يديه . فقال المنصور : قتلني الله ان لم أقتلك . وصفّق بيديه فخرج الحرس يضربونه بسيوفهم وهو يصرخ ويستأمن ويقول : استبقني لعدوّك يا أمير المؤمنين . فقال له المنصور : وأيّ عدوّ لي أعدى منك . وقيل كانت عند أبي مسلم ثلث نسوة وكان لا يطأ المرأة منهن في السنة إلا مرة واحدة . وكان من أغير الناس لا يدخل قصره أحد غيره وفيه كوى يطرح منها لنسائه ما يحتجن إليه . قالوا ليلة زفّت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها . قالوا وكان من أشد الناس طمعا وأكثرهم طعاما يخبز كل يوم في مطبخه ثلاثة آلاف قرف ويطبخ مائة شاة سوى البقر والطير . وكان له ألف طبّاخ وآلة المطبخ تحمل على ألف ومائتي رأس من الدوابّ . وقيل كان أبو مسلم شجاعا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة . وقيل بل كان فاتكا قليل الرحمة قاسي القلب سوطه سيفه قتل ستمائة ألف ممن يعرف صبرا سوى من لا يعرف ومن قتل في الحروب والهيجات . وسئل بعضهم : أبو مسلم كان خيرا أو الحجّاج . قال : لا أقول إن أبا مسلم خير من أحد ولكن الحجاج كان شرا منه . وزعم قوم ان أبا مسلم كان من قرية من قرى مرو . ويقال : بل كان من العرب سمع الحديث وروى الاشعار . وقيل كان عبدا . وقد نسبه بعض الشعراء إلى الأكراد حين هجاه . وفي سنة أربعين ومائة سيّر المنصور عبد الوهاب ابن أخيه إبراهيم بن محمد الإمام في سبعين ألف مقاتل إلى ملطية . فنزلوا عليها وعمروا ما كان خرّبه الروم منها . ففرغوا من العمارة في ستة أشهر . وأسكنها المنصور أربعة آلاف من الجند وأكثر فيها من السلاح والذخائر وبنى حصن